عبد الملك الجويني

277

نهاية المطلب في دراية المذهب

1030 - وذهب ابن أبي ليلى ( 1 ) . إلى أنه يقتضي كلُّ سهوٍ سجدتين ، وهو مع ذلك لا يُعقب كلَّ سهو سجدتين ، بل يؤخر السجدات ، وقد احتج بما رواه عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لكل سهو سجدتان " ( 2 ) ، واعتمد الشافعي حديث ذي اليدين ، فإنه تعدَّدَ السهو من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه سلم ناسياً ، ثم استدبر القبلة ، ثم تكلم ، ثم سجد سجدتين . وأما حديث ثوبان ، فقد رأى الشافعي فيه محملاً ، وذلك أنه أراد عليه السلام أن يبين أن سجود السهو يتعلق بأصناف من السهو بعضها تَرْك ، وبعضها فعل ، فلا يختص ثبوت السجود بصنف ، وهو بمثابة قول القائل : لكل ذنب توبة ، أي لا يختص وجوب التوبة بنوع دون نوع . والذي ذكره الشافعي تأويل محتمل ، وحديث ذي اليدين لا يقبل وجهاً من التأويل في الغرض الذي نحن فيه . 1031 - ثم قال صاحب التلخيص : لا تتعدد سجدتا السهو إلا في مسائل منها : أن القوم إذا كانوا يصلون الجمعة ، فسَهَوْا ، وسجدوا ، ثم بان لهم أن الوقت خارج ، فإنهم يتمون الصلاة ظُهْراً ويسجدون مرة أخرى . وكذلك المسافر إذا سها في صلاة مقصورة وسجد ، ثم بان له قبل التحلل أن السفينة قد انتهت إلى دار الإقامة ؛ فإنه يتمم الصلاة ، ويعيد السجود . والسبب في هذا الجنس أن الصلاة إذا زادت ، وانقلبت عن العدد المقدر فيها ، فالسجود يقع في وسط الصلاة غيرَ معتد به ، فإذا بطل ، فلا بدَّ من الإتيان بالسجود في آخر الصلاة ، وإن كان يصح الاستثناء لو كان يعتد بالسجودين ، ولا يبطُل واحد منهما .

--> ( 1 ) ابن أبي ليلى : عبد الرحمن بن أبي ليلى أبو عيسى . من أكابر تابعي الكوفة . ت : 82 ه‍ ( وفيات الأعيان : 3 / 126 ) . ( 2 ) حديث ثوبان : أخرجه أبو داود ، وابن ماجة ، وأحمد ، وصححه الألباني ( ر . أبو داود : 1 / 630 ، كتاب الصلاة ، باب من نسي أن يتشهد وهو جالس ، ح 1038 ، وابن ماجة : 1 / 385 ، كتاب إقامة الصلاة ، باب ما جاء فيمن سجدهما بعد السلام ، ح 1219 ، والمسند : 5 / 280 ) .